محمد حسين علي الصغير

44

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

إذ زهد في الدنيا ، لأنه إذا رغب فيها لم يؤمن إن يتوسل به إلى عرض يصدّه عن صواب قصده ، ويفسد عليه صحة عمله » « 1 » والذي يؤيد هذا النحو ويعلي من شأنه حديث روي عن الإمام جعفر الصادق عن أبيه عن جده عليه السّلام قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ألا أن من زهد في الدنيا ، وقصر فيها أمله ، أعطاه اللّه علما بغير تعلم ، وهديا بغير هداية ، ومن رغب في الدنيا وطال فيها أمله : أعمى اللّه قلبه على قدر رغبته فيها » « 2 » والزهد من الضروريات للمفسر إذ يكون عازفا عن زخارف الدنيا بعيدا عن التلوث بأوضارها المادية ودوافعها الاجتماعية ، وإنما يكون همه التوصل إلى الحق ، ومراقبة النفس من الزلل ، وإعطاء كل ذي حق حقه ضمن مقياس واقعي لا زيغ معه ولا انحراف به ، وفي هذا الضوء نلمس أصالة قول الإمام الباقر عليه السّلام : « إن الفقيه حق الفقيه ، الزاهد في الدنيا ، الراغب في الآخرة ، المتمسك بسنة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم » « 3 » . ولا بد من الإشارة أن أبا عمرو عثمان المازني كان من أوائل العلماء الذين أكدوا على جانبين في الخصال التي اشترطها في المفسر ، وهذان الجانبان هما الاخلاص والتفويض ، بل اشترط على المفسر أن يكون عالما بمداخلهما فقال : « أن يكون عالما بأبواب السر من الاخلاص والتوكل والتفويض والأذكار الباطنة التي افترضها اللّه على عباده ، وبالالهام والوسومة ، وما يصلح الأعمال وما يفسدها ، وبآفات الدنيا ، ومعايب النفس وسبيل التوقي من فسادهما ، وأن يكون مفوضا أمره إلى اللّه تعالى ، متضرعا إليه أن يلهمه الرشد والتوفيق ، ويحذر الاعجاب بنفسه ، والاتكال على عقله وجودة قريحته ، فإنّ المعجب مخذول » « 4 » . وليس في هذا التأكيد على الاخلاص والتفويض كثير غرابة ، فهما يفتحان على المفسر باب البيان ، ويعينان على التدبر والتفكر بالقرآن ، وهما باب التفسير .

--> ( 1 ) السيوطي ، الاتقان : 4 / 175 . ( 2 ) مقدمتان في علوم القرآن : 175 . ( 3 ) الكليني : الكافي : 1 / 70 . ( 4 ) مقدمتان في علوم القرآن : 174 - 175 .